أحمد بن محمد مسكويه الرازي

260

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

فالشريعة تجري لهؤلاء مجرى الماء للانسان الذي به يسيغ غصته ، ومن ينقاد لها فهو كالشرق بالماء « 1 » فلا يشرب الماء ولا يجده يسيغ غصته ، وهو الهالك الذي لا حيلة فيه ولا طمع في اصلاحه وبرئه ، ولهذه العلة قلنا إن من كان بالطبع خيرا فاضلا فذلك محبة اللّه إيّاه ، وليس امره الينا ولا نحن كنا سببه بل اللّه عز وجل . ومثل هذا هو الذي يقول فيه ارسطوطاليس : « إنّ عناية اللّه به أكبر » . فتحصل مما قدمناه أنّ أصناف السعداء من الناس أربعة وهم موجودون بالتصفح والحس ، وذلك انا نجد من الناس من هو خير فاضل من مبدأ كونه نرى فيه النجابة طفلا ، ونتفرس فيه الفلاحة ناشئا بأن يكون حيّا كريم الشيم ، يؤثر مجالسة الأخيار ومؤانسة الفضلاء وينفر من اضدادهم ، وليس يكون كذلك إلّا بعناية تلحقه من أول مولده كما قلنا . ونجد أيضا من لا يكون بهذه الصفة من مبدأ كونه بل يكون كسائر الصبيان إلا أنه يسعى ويجتهد ويطلب الحق إذا رأى إختلاف الناس فيه ، ولا يزال كذلك حتى يبلغ مرتبة الحكماء ، أعني ان يصير علمه صحيحا وعمله صوابا ، وليس يبلغ هذه الدرجة الا بالتفلسف اطراح العصبيات وسائر ما حذرنا منه . « 2 » ونجد أيضا من يوجد بهذه السيرة أخذا على الإكراه إمّا بالتأديب الشرعي وإما بالتعليم الحكمي ، ومعلوم ان المطلوب هو القسم الثاني إذا كانت الأقسام الباقية هي من خارج ، ولا يمكن أن تطلب ، أعني ان من يتفق له في أصل مولده السعادة ومن

--> ( 1 ) . نقول : أخذته شرقة كاد يموت منها ، أي : غصّة تقول في العامية « الشهقة » . ويسمى في الطب : السعال الديكي ، وهو سعال شديد يسدّ مجرى النفس ويحدث شهيقا . يقول الإمام علي عليه السّلام في نهج البلاغة : مسكين ابن آدم : مكتوم الأجل ، مكنون العلل ، محفوظ العمل . تؤلمه البقّة ، تقتله الشرقة ، تنتنه العرقة . ( 2 ) . قال اللّه سبحانه وتعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى ، وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الحجرات / 13 .